الأربعاء، 9 أغسطس 2017

الأصول من علم الأصول لـمحمد بن صالح بن محمد العثيمين -رحمه الله- (الدرس الثاني)



ـ[الكتاب : الأصول من علم الأصول]ـ
المؤلف : محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى : 1421هـ)
دار النشر : دار ابن الجوزي
سنة الطبع : عام 1426هـ
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : مكتبة المدينة الرقمية http://www.raqamiya.org
راجعه وأعد فهرسته للشاملة : أبو أيوب السليمان - قسم المكتبة الشاملة - ملتقى أهل الحديث 1429هـ
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
__________
الكتاب مرتبط مع نسخة مصورة لناشر آخر (ط دار الإيمان للطبع والنشر - الإسكندرية)


 1. العام
 2. المُطلَق والمقَيَد
 3. المُجْمَلُ والمبَيَّن
 4. الظَّاهِر والمؤَوَّل
 5. النَّسْخ

1. العام
تعريفه:
العام لغة: الشامل.
واصطلاحاً: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر، مثل: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار:13]
فخرج بقولنا: "المستغرق لجميع أفراده" ؛ ما لا يتناول إلا واحداً كالعَلَم والنكرة في سياق الإثبات؛ كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } [المجادلة: 3] لأنها لا تتناول جميع الأفراد على وجه الشمول، وإنما تتناول واحداً غير معيَّن.
وخرج بقولنا: "بلا حصر" ؛ ما يتناول جميع أفراده مع الحصر كأسماء العدد: مئة وألف ونحوهما.
صيغ العموم:
صيغ العموم سبع:
1 - ما دل على العموم بمادته مثل: كل، وجميع، وكافة، وقاطبة، وعامة؛ كقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49]
2 - أسماء الشرط؛ كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِه}[الجاثية: من الآية15] {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}[البقرة: من الآية115]
3 - أسماء الاستفهام؛ كقوله تعالى: {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}[الملك:من الآية30] {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ}[القصص: من الآية65] {فأين تذهبون} [التكوير: 26].
4 - الأسماء الموصولة؛ كقوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر:33].
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}[العنكبوت: من الآية69]. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات:26]. {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْض}[آل عمران: من الآية129].
5 - النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الإنكاري؛ كقوله تعالى: {وما من اله الا الله } [آل عمران: 62] {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}[النساء: من الآية36]. {إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب:54] {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ}[القصص: من الآية71]
6 - المعرّف بالإضافة مفرداً كان أم مجموعاً؛ كقوله تعالى: {وأذكروا نعمة الله عليكم}[أعراف: 74]
7 - المعرف بأل الاستغراقية مفرداً كان أم مجموعاً؛ كقوله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً}[النساء:من الآية28]. {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم}[النور: من الآية59].
وأما المعرف بأل العهدية، فإنه بحسب المعهود فإن كان عامًّا فالمعرَّف عام، وإن كان خاصًّا فالمعرَّف خاص، مثال العام قوله تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ} [صّ:71] {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [صّ:72] {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [صّ:73]
ومثال الخاص قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً}[المزمل: من الآية15] {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} [المزمل:16]
وأما المعرف "بأل" التي لبيان الجنس؛ فلا يعم الأفراد، فإذا قلت: الرجل خير من المرأة، أو الرجال خير من النساء، فليس المراد أن كل فرد من الرجال خير من كل فرد من النساء، وإنما المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس، وإن كان قد يوجد من أفراد النساء من هو خير من بعض الرجال.
العمل بالعام:
يجب العمل بعموم اللفظ العام حتى يثبت تخصيصه؛ لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها، حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.
وإذا ورد العام على سبب خاص وجب العمل بعمومه؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا أن يدل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب الذي ورد من أجله فيختص بما يشبهها.
مثال ما لا دليل على تخصيصه: آيات الظهار؛ فإن سبب نزولها ظهار أوس بن الصامت، والحكم عام فيه وفي غيره.
ومثال ما دل الدليل على تخصيصه قوله صلّى الله عليه وسلّم: "ليس من البر الصيام في السفر"1 ، فإن سببه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في سفر فرأى
_____________
1 رواه البخاري "1946" كتاب الصوم، 36- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر: ليس من البر الصوم في السفر.
ومسلم "1115" كتاب الصوم، 15- باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر.
زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه فقال: "ما هذا"؟ قالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصيام في السفر"، فهذا العموم خاص بمن يشبه حال هذا الرجل؛ وهو من يشق عليه الصيام في السفر، والدليل على تخصيصه بذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يصوم في السفر"1" حيث كان لا يشق عليه، ولا يفعل صلّى الله عليه وسلّم ما ليس ببر.
_____________
1 انظر: البخاري "1945" كتاب الصوم، 35- باب.
ومسلم "1122" كتاب الصيام، 17- باب التخيير في الصوم والفطر في السفر.
الخاص
الخاص لغة: ضد العام .
واصطلاحاً: اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد، كأسماء الأعلام والإشارة والعدد.
فخرج بقولنا: "على محصور" العام.
والتخصيص لغة: ضد التعميم.
واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام.
والمخصِّص - بكسر الصاد -: فاعل التخصيص وهو الشارع، ويطلق على الدليل الذي حصل به التخصيص.
ودليل التخصيص نوعان: متصل ومنفصل.
فالمتصل: ما لا يستقل بنفسه.
والمنفصل: ما يستقل بنفسه.
فمن المخصص المتصل:
أولاً: الاستثناء وهو لغة: من الثني، وهو رد بعض الشيء إلى بعضه؛ كثني الحبل.
واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها، كقوله تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:2] {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3]
فخرج بقولنا: "بإلا أو إحدى أخواتها" ؛ التخصيص بالشرط وغيره.
شروط الاستثناء:
يشترط لصحة الاستثناء شروط منها:
1 - اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكماً.
فالمتصل حقيقة: المباشر للمستثنى منه بحيث لا يفصل بينهما فاصل. والمتصل حكماً: ما فصل بينه وبين المستثنى منه فاصل لا يمكن دفعه كالسعال والعطاس.
فإن فصل بينهما فاصل يمكن دفعه، يمكن دفعه أو سكوت لم يصح الاستثناء مثل أن يقول:
عبيدي أحرار، ثم يسكت، أو يتكلم بكلام آخر ثم يقول: إلا سعيداً؛ فلا يصح الاستثناء ويعتق الجميع.
وقيل: يصح الاستثناء مع السكوت، أو الفاصل إذا كان الكلام واحداً لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمهُ الله يوم خلق السموات والأرض، لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه"، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذّخر فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: "إلا الإذخر"1 . وهذا القول أرجح لدلالة هذا الحديث عليه.
_____________
1 رواه البخاري "1349" كتاب الجنائز، 77- باب الإذخر والحشيش في القبر.
ومسلم "1352" كتاب الحج، 82- باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقتها إلا لمنشد على الدوام.
2 - أن لا يكون المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه، فلو قال: له عليّ عشرة دراهم إلا ستة لم يصح الاستثناء ولزمته العشرة كلها.
وقيل: لا يشترط ذلك، فيصح الاستثناء، وإن كان المستثنى أكثر من النصف فلا يلزمه في المثال المذكور إلا أربعة.
أما إن استثنى الكل، فلا يصح على القولين، فلو قال: له علي عشرة إلا عشرة لزمته العشرة كلها.
وهذا الشرط فيما إذا كان الاستثناء من عدد، أما إن كان من صفة فيصح، وإن خرج الكل أو الأكثر، مثاله: قوله تعالى لإبليس: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر:42] وأتباع إبليس من بني آدم أكثر من النصف، ولو قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء، فتبين أن جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء، ولم يعطوا شيئاً.
ثانياً: من المخصص المتصل: الشرط، وهو لغة: العلامة .
والمراد به هنا: تعليق شيء بشيء وجوداً، أو عدماً بإن الشرطية أو إحدى أخواتها.
والشرط مخصص سواء تقدم أم تأخر.
مثال المتقدم قوله تعالى في المشركين: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم}[التوبة: من الآية5]
ومثال المتأخر قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا}[النور: من الآية33].
ثالثاً: الصفة وهي: ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام من نعت أو بدل أو حال.
مثال النعت: قوله تعالى: {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}[النساء: من الآية25]
ومثال البدل: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}[آل عمران: من الآية97]
ومثال الحال: قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا}[النساء: من الآية93]
المخصص المنفصل:
المخصص المنفصل: ما يستقل بنفسه وهو ثلاثة أشياء: الحس والعقل والشرع.
مثال التخصيص بالحس: قوله تعالى عن ريح عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}[لاحقاف: من الآية25]فإن الحس دل على أنها لم تدمر السماء والأرض.
ومثال التخصيص بالعقل: قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}[احقاف: من الآية33] فإن العقل دل على أن ذاته تعالى غير مخلوقة.
ومن العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص، وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص، إذ المخصوص لم يكن مراداً عند المتكلم، ولا المخاطب من أول الأمر، وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص.
وأما التخصيص بالشرع، فإن الكتاب والسنة يخصص كل منهما بمثلهما، وبالإجماع والقياس.
مثال تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}[لبقرة: من الآية228].
خص بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ
ثمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}[الأحزاب: من الآية49].
ومثال تخصيص الكتاب بالسنة: آيات المواريث؛ كقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن}[النساء: من الآية11] ونحوها خص بقوله صلّى الله عليه وسلّم: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم"1
ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}[النور: من الآية4]خص بالإجماع على أن الرقيق القاذف يجلد أربعين، هكذا مثل كثير من الأصوليين، وفيه نظر لثبوت الخلاف في ذلك، ولم أجد له مثالاً سليماً.
ومثال تخصيص الكتاب بالقياس: قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة}[النور: من الآية2]
خص بقياس العبد الزاني على الأمة في تنصيف العذاب؛ والاقتصار على خمسين جلدة، على المشهور.
ومثال تخصيص السنة بالكتاب: قوله صلّى الله عليه وسلّم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله..."، الحديث"2" . خص بقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
_____________
1 رواه البخاري "4283" كتاب المغاري، 48- باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح.
ومسلم "1614" كتاب الفرائض، بلا باب، أول حديث فيه.
2 رواه البخاري "1399" كتاب الزكاة، 1- باب وجوب الزكاة.
ومسلم "20" كتاب الإيمان، 8- باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا:
لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة.
وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29]
ومثال تخصيص السنة بالسنة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: "فيما سقت السماء العشر"1 خص بقوله صلّى الله عليه وسلّم: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"2.
ولم أجد مثالاً لتخصيص السنة بالإجماع.
ومثال تخصيص السنة بالقياس: قوله صلّى الله عليه وسلّم: "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام"3 ، خص بقياس العبد على الأمة في تنصيف العذاب، والاقتصار على خمسين جلدة، على المشهور.
_____________
1 رواه البخاري "1483" كتاب الزكاة، 55- باب العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري.
2 رواه البخاري "1484" كتاب الزكاة، 56- باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.
ومسلم "979" كتاب الزكاة، بلا باب.
3 رواه مسلم "1690" كتاب الحدود، 3- باب حد الزنى.
وأحمد "5/ 313/ 22718" ولفظ التغريب عند ابن ماجه "2550" كتاب الحدود، 7- باب حد الزنزا.

2. المُطلَق والمقَيَد
تعريف المطلق:
المطلق لغة: ضد المقيد.
واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بلا قيد؛ كقوله تعالى: {تحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة 3]
فخرج بقولنا: "ما دل على الحقيقة" ؛ العام لأنه يدل على العموم لا على مطلق الحقيقة فقط.
وخرج بقولنا: "بلا قيد" ؛ المقيد.
تعريف المقيد:
المقيد لغة: ما جعل فيه قيد من بعير ونحوه.
واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بقيد؛ كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}[النساء: من الآية92]
فخرج بقولنا: "قيد" ؛ المطلق.
العمل بالمطلق:
يجب العمل بالمطلق على إطلاقه إلا بدليل يدل على تقييده؛ لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.
وإذا ورد نص مطلق، ونص مقيد وجب تقييد المطلق به إن
كان الحكم واحداً، وإلا عمل بكل واحد على ما ورد عليه من إطلاق أو تقييد.
مثال ما كان الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [ المجادلة 3]وقوله في كفارة القتل: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}[النساء: من الآية92] الحكم واحد هو تحرير الرقبة، فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل، ويشترط الإيمان في الرقبة في كل منهما.
ومثال ما ليس الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}[المائدة: من الآية38]وقوله في آية الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق}[المائدة: من الآية6]فالحكم مختلف، ففي الأولى قطع وفي الثانية غسل؛ فلا تقيد الأولى بالثانية، بل تبقى على إطلاقها ويكون القطْع من الكوعِ مفصلِ الكف، والغسل إلى المرافق.

3. المُجْمَلُ والمبَيَّن
تعريف المجمل:
المجمل لغة: المبهم والمجموع .
واصطلاحاً: ما يتوقف فهم المراد منه على غيره، إما في تعيينه أو بيان صفته أو مقداره.
مثال ما يحتاج إلى غيره في تعيينه: قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}[البقرة: من الآية228]. فإن القرء لفظ مشترك بين الحيض والطهر، فيحتاج في تعيين أحدهما إلى دليل.
ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان صفته: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاة}[البقرة: من الآية43]، فإن كيفية إقامة الصلاة مجهولة تحتاج إلى بيان.
ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان مقداره: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاة} [البقرة: من الآية43]، فإن مقدار الزكاة الواجبة مجهول يحتاج إلى بيان.
تعريف المبيَّن:
المبيَّن لغة: المظهر والموضح.
واصطلاحاً: ما يفهم المراد منه، إما بأصل الوضع أو بعد التبيين.
مثال ما يفهم المراد منه بأصل الوضع: لفظ سماء، أرض،
جبل، عدل، ظلم، صدق، فهذه الكلمات ونحوها مفهومة بأصل الوضع، ولا تحتاج إلى غيرها في بيان معناها.
ومثال ما يفهم المراد منه بعد التبيين قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ}[البقرة: من الآية43] ، فإن الإقامة والإيتاء كل منهما مجمل، ولكن الشارع بيَّنهما، فصار لفظهما بيِّناً بعد التبيين.
العمل بالمجمل:
يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه.
والنبي صلّى الله عليه وسلّم قد بيَّن لأمته جميع شريعته أصولها وفروعها، حتى ترك الأمة على شريعة بيضاء نقية ليلها كنهارها، ولم يترك البيان عند الحاجة إليه أبداً.
وبيانه صلّى الله عليه وسلّم إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً.
مثال بيانه بالقول: إخباره عن أنصبة الزكاة ومقاديرها كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: "فيما سقت السماء العشر" ؛ بياناً لمجمل قوله تعالى: { وَآتُوا الزَّكَاةَ}[البقرة: من الآية43].
ومثال بيانه بالفعل: قيامه بأفعال المناسك أمام الأمة بياناً لمجمل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت}[آل عمران: من الآية97].
وكذلك صلاته الكسوف على صفتها، هي في الواقع بيان
لمجمل قوله صلّى الله عليه وسلّم: "فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا"1.
ومثال بيانه بالقول والفعل: بيانه كيفية الصلاة، فإنه كان بالقول كما في حديث المسيء في صلاته حيث قال صلّى الله عليه وسلّم: "إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر..."، الحديث"2" .
وكان بالفعل أيضاً، كما في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قام على المنبر فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر...، الحديث، وفيه: ثم أقبل على الناس وقال: "إنما فعلت هذا؛ لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي"3 .
_____________
1 رواه البخاري "5785" كتاب اللباس، 2- باب من جر إزاره من غير خيلاء. ومسلم "911" كتاب الكسوف، 5- باب ذكر النداء بصلاة الكسوف: الصلاة جامعة.
2 رواه البخاري "6251" كتاب الاستئذان، 18- باب من رد فقال: عليك السلام واللفظ له.
ومسلم "397" كتاب الصلاة، 11- باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وأنه إذا لم يحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمهم قرأ ما تيسر له من غيرها.
3 رواه البخاري "917" كتاب الجمعة، 26- باب الخطبة علعى المنبر.
ومسلم "544" كتاب المساجد، 10- باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة.

4. الظَّاهِر والمؤَوَّل
تعريف الظاهر:
الظاهر لغة: الواضح والبين.
واصطلاحاً: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره. مثاله قوله صلّى الله عليه وسلّم: "توضؤوا من لحوم الإبل"1 ، فإن الظاهر من المراد بالوضوء غسل الأعضاء الأربعة على الصفة الشرعية دون الوضوء الذي هو النظافة.
فخرج بقولنا: "ما دل بنفسه على معنى" ؛ المجمل لأنه لا يدل على المعنى بنفسه.
وخرج بقولنا: "راجح" ؛ المؤول لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينة.
وخرج بقولنا: "مع احتمال غيره" ؛ النص الصريح؛ لأنه لا يحتمل إلا معنًى واحداً.
العمل بالظاهر:
العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره؛ لأن هذه
_____________
1 هذا لفظ أحمد "4/352"، وهو عند أبي داود "184" كتاب الطهارة، باب الوضوء من لحوم الإبل من حديث البراء، وغيرهما من المصنفين.
وهو في مسلم "360" كتاب الحيض، 25- باب الوضوء من لحوم الإبل، من حديث جابر.
طريقة السلف، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة، وأقوى في التعبد والانقياد.
تعريف المؤول:
المؤول لغة: من الأَوَل وهو الرجوع.
واصطلاحاً: ما حمل لفظه على المعنى المرجوح.
فخرج بقولنا: "على المعنى المرجوح" ؛ النص والظاهر.
أما النص، فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً، وأما الظاهر فلأنه محمول على المعنى الراجح.
والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود.
1 - فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح؛ كتأويل قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}إلى معنى: واسأل أهل القرية، لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها.
2 - والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح؛ كتأويل المعطلة قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] إلى معنى استولى، والصواب أن معناه العلو والاستقرار من غير تكييف ولا تمثيل.

5. النَّسْخ
تعريفه:
النسخ لغة: الإزالة والنقل.
واصطلاحاً: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة.
فالمراد بقولنا: "رفع حكم" ؛ أي: تغييره من إيجاب إلى إباحة، أو من إباحة إلى تحريم مثلاً.
فخرج بذلك تخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع، مثل أن يرتفع وجوب الزكاة لنقص النصاب، أو وجوب الصلاة لوجود الحيض؛ فلا يسمى ذلك نسخاً.
والمراد بقولنا: "أو لفظه" ، لفظ الدليل الشرعي؛ لأن النسخ إما أن يكون للحكم دون اللفظ أو بالعكس أو لهما جميعاً؛ كما سيأتي.
وخرج بقولنا: "بدليل من الكتاب والسنة" ؛ ما عداهما من الأدلة كالإجماع والقياس فلا ينسخ بهما.
والنسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً.
أما جوازه عقلاً: فلأن الله بيده الأمر، وله الحكم؛ لأنه الرب المالك، فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته، وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟ ثم إن مقتضى
حكمة الله ورحمته بعباده أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم، والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان، فقد يكون الحكم في وقت أو حال أصلح للعباد، ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح، والله عليم حكيم.
وأما وقوعه شرعاً فلأدلة منها:
1 - قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}[البقرة: من الآية106]
2 - قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُم}[لأنفال: من الآية66] {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنّ}[البقرة: من الآية187] فإن هذا نص في تغيير الحكم السابق.
3 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"1 فهذا نص في نسخ النهي عن زيارة القبور.
ما يمتنع نسخه:
يمتنع النسخ فيما يأتي:
1 - الأخبار، لأن النسخ محله الحكم، ولأن نسخ أحد الخبرين يستلزم أن يكون أحدهما كذباً، والكذب مستحيل في أخبار الله ورسوله، اللهم إلا أن يكون الحكم أتى بصورة الخبر، فلا يمتنع نسخه كقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [لأنفال: من الآية65] الآية، فإن هذا خبر معناه الأمر، ولذا جاء
_____________
1 رواه مسلم "977" كتاب الجنائز، 36- باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه.
وانظر: كتاب الأضاحي، 5- باب بيان ما كان من النبي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخة وإباحته إلى متى شاء.
نسخه في الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}. [ لأنفال: من الآية 66].
2 - الأحكام التي تكون مصلحة في كل زمان ومكان: كالتوحيد، وأصول الإيمان وأصول العبادات ومكارم الأخلاق من الصدق والعفاف، والكرم والشجاعة، ونحو ذلك؛ فلا يمكن نسخ الأمر بها، وكذلك لا يمكن نسخ النهي عما هو قبيح في كل زمان ومكان كالشرك والكفر ومساويء الأخلاق من الكذب والفجور والبخل والجبن ونحو ذلك، إذ الشرائع كلها لمصالح العباد ودفع المفاسد عنهم.
شروط النسخ:
يشترط للنسخ فيما يمكن نسخه شروط منها:
1 - تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع فلا نسخ لإمكان العمل بكل منهما.
2 - العلم بتأخر الناسخ ويعلم ذلك إما بالنص أو بخبر الصحابي أو بالتاريخ.
مثال ما علم تأخره بالنص: قوله صلّى الله عليه وسلّم: "كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة"1 .
ومثال ما علم بخبر الصحابي: قول عائشة رضي الله عنها: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم
_____________
1 رواه مسلم "1406" كتاب النكاح، 3- باب المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة.
وأحمد "3/ 405/ 15387".
نسخن بخمس معلومات"1" .
ومثال ما علم بالتاريخ: قوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} الآية؛ فقوله: "الآن" يدل على تأخر هذا الحكم. وكذا لو ذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حكم بشيء قبل الهجرة، ثم حكم بعدها بما يخالفه، فالثاني ناسخ.
3 - ثبوت الناسخ، واشترط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ أو مماثلاً له؛ فلا ينسخ المتواتر عندهم بالآحاد، وإن كان ثابتاً، والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى أو مماثلاً؛ لأن محل النسخ الحكم، ولا يشترط في ثبوته التواتر.
أقسام النسخ:
ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه، وهذا هو الكثير في القرآن.
مثاله: آيتا المصابرة، وهما قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [لأنفال: من الآية65]، نسخ حكمها بقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [لأنفال:66]
وحكمة نسخ الحكم دون اللفظ، بقاء ثواب التلاوة، وتذكير الأمة بحكمة النسخ.
الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه كآية الرجم، فقد ثبت في
_____________
1 رواه مسلم " 1452" كتاب الرضاع، 6- باب التحريم بخمس رضعات.
"الصحيحين"1 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان فيما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، وقامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف.
وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بما لا يجدون لفظه في القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى، عكس حال اليهود الذين حاولوا كتم نص الرجم في التوراة.
الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه: كنسخ عشر الرضعات السابق في حديث عائشة رضي الله عنها.
وينقسم النسخ باعتبار الناسخ إلى أربعة أقسام:
الأول: نسخ القرآن بالقرآن؛ ومثاله آيتا المصابرة.
الثاني: نسخ القرآن بالسنّة؛ ولم أجد له مثالاً سليماً.
الثالث: نسخ السنة بالقرآن: ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة، باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه} [البقرة: 144،144، 149، 150 ].
الرابع: نسخ السنة بالسنة، ومثاله قوله صلّى الله عليه وسلّم: "كنت نهيتكم
_____________
1 رواه البخاري "6829" كتاب الحدود، 30- باب الاعتراف بالزنى.
ومسلم "1691" كتاب الحدود، 4- باب رجم الثيب في الزنى.
عن النبيذ في الأوعية، فاشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكراً"1 .
حكمة النسخ:
للنسخ حِكَمٌ متعددة منها:
1 - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم.
2 - التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال.
3 - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك.
4 - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف، ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل
_____________
1 رواه أحمد "3/237/13512" وأبو يعلى "6/373/3707" قال الههيثمي في "المجمع" "5/66": فيه يحيى بن عبدالله الجابر، وقد ضعفه الجمهور، وقال أحمد: لا بأس بت، وبقية رجاله ثقات.
وينظر: "صحيح مسلم" "977" كتاب الجنائز، 36- باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه.

ليست هناك تعليقات: