الجمعة، 13 مايو 2016

حكم الحج وترك الملوك


أسئلة من البحرين
عن حكم الحج وترك الملوك والأمراء وبعض العلماء له
( س 30 - 36 ( لصاحب الإمضاء بجزيرة البحرين :
 
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى حضرة سيدي العلامة المصلح العليم مرشد الأمة ورشيدها الفيلسوف
الحكيم السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار المنير ، أدام الله تعالى شريف وجوده
وسلام الله عليك ورحمته ورضوانه . وبعد فالداعي لتحريره عرض مسألة عرضت
لنا في هذه الأيام ، وهو أننا عشرة أشخاص نوينا هذه السنة التوجه لحج بيت الله
الحرام والتمتع بمشاهدة مهد الإسلام ، وبهذه المناسبة صار بيننا جدال وكلام كثير
بخصوص الحج ومناسكه فالتجأنا إلى طلب الاستهداء من حضرتكم لإرشادنا إلى
السبيل الأقوم والصراط المستقيم ، فعليه قدمنا هذا الكتاب مؤملين فيه الجواب من
حضرتكم على هذه الأسئلة وهي :
علمنا أن الله سبحانه وتعالى قد اختار لنا الإسلام دينا وجعل هذا الدين مُقامًا
على خمسة أركان رئيسية ، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام من استطاع
إليه سبيلا .
هذا هي الخمسة الأركان التي لا يكمل الإسلام إلا بها ، وبفضل المنار المنير
وباقي كتب العلماء المصلحين الأفاضل قد فهمنا المقاصد والحكم من الصلوات
والزكاة والشهادتين والصيام كما قد فهمنا المقصد من الحج على الوجه العام ، ولكن
اسمح لنا يا حضرة المفضال الحكيم أن نقول في الحج بعض أعمال لم نعرف
الحكمة منها فلذلك جئنا بهذا الكتاب نلتمس منك هدايتنا إلى ما جهلناه وهو :
1 - ما هي الحكمة في الاجتماع على تقبيل الحجر الأسود إذا عرفنا أنه حجر
لا يضر ولا ينفع ولا يخفى ما في ذلك من المظاهرة الوثنية ؟
2- ما الحكمة في رمي الحجارة الجمار في القليب في مزدلفة ؟
3 - ما الحكمة في الهرولة بين المروتين ؟
4 - ما المقصد في ذبح الذبائح على كثرتها ودفن لحومها في منى ، وفي ذلكما فيه من النتائج الوخيمة التي تصدر من تعفن اللحوم ؛ إذ تنتشر الأوبئة منها ،
ولماذا يمنع الناس من أكلها ؟ وهل ذلك لازم ، ومن المناسك التي لا يتم الحج إلا
بها على هذه الصورة . ولا يخفاكم مبلغ النقود الطائلة التي يدفعها الحجاج سنويًّا
ثمنًا لهذه اللحوم ؛ إذ هي لا تقل عن خمسين ألف جنيه فما قولكم لو صرفوا هذه
المبالغ على إصلاح آبار مكة وطرقها وتكاياها وتنظيفها وعلى كل ما يعود على
الحجاج بالراحة والصحة والسلامة .
5 - لماذا أقاموا دون عرفة بِنَائَيْنِ عن اليمين والشمال تعرف بالعلمين ؟ وكل
من لم يكن خلف هذين البِنَائَيْنِ ليس مقبول الحج مع أنه تكلف العشاء ووصل إلى ما
دونهما ؟ ولماذا يكون من خلفها مقبول الحج ، وهو في لهوه ولعبه ، وممارسة ما
اعتاده في بلاده من الأعمال ، ومن كان دونها غير مقبول ، ولو كان على غير ذلك ؟
وهل هذان البناءان حد فاصل بين الله والناس أو بين الجنة والنار .
6- نرى كثيرًا من علماء الأمة الإسلامية ومرشديها المصلحين منهم من عاش
ومات وهو لم يحج مع أنه ربما رحل في سنته مرتين أو ثلاثا إلى أوربا أو إلى
غيرها من البلاد ولم يذهب إلى مكة مع أنه كان الألزم والأوجب أن يقصد مكة
والحج كل موسم للنصح والإرشاد . فهذا ساكن الجنان الأستاذ الإمام والمرحوم السيد
عبد الرحمن الكواكبي وغيرهم عاشوا وماتوا وهم لم يروا مكة في وقت الحج .
وحضرتك أيضا كذلك ، فما هي الأسباب يا ترى ونحن نعتقد أن امتناعكم جميعًا عن
الحج لا بد له من سبب فما هو ذلك السبب العظيم الذي يمنع رجال الإصلاح العظام
عن الحج المقدس .
7 - وكذلك نرى أن جميع ملوك الإسلام وأمراءه وأغنياءه لا يحجون ولا نرى
الحجاج سواهم إلا من فقراء الهند والصين والروسيا وجاوا وبلاد العرب كمصر
وتونس وسوريا والعراق وغيرها . وهذا كثير من سلاطين آل عثمان الخلفاء
وأمراء البيت السلطاني وأعاظم الرجال من الوزراء والحكام والأغنياء المشار إليهمبالبنان كلهم لا يحجون ولا يدور في خلد أحدهم أن يحج ، فما هو السر في ذلك يا
ترى ، وكم عجبنا لما سمعنا بحج أمير مصر قبل سنتين ، وكثر تحدث الناس في
ذلك حتى تجرأ أحدهم فقال : إن المقصود من حج العزيز غرض سياسي ورحلة في
جهات الحجاز لا غيرُ ، وليس له مقصد في الحج قطعًا .
هذا ما وجهناه لحضرتكم ملتمسين التنازل بمجاوبتنا عليه ، ولك يا سيدنا
الخيار في المجاوبة أن تكون على صفحات المنار أو كتاب مخصوص ، وإذ كانت
في المنار تكون أعم وأنفع ، وإن أردت أن تجاوب على بعضها في المنار وبعضها
كتابة مخصوصة فالأمر إليك ، ونحن قد اتكلنا بعد الله عليك ، ولنا كبير الأمل أن
حضرتك تهدينا إلى سواء السبيل لا سيما وحجنا يتوقف على جوابكم ؛ لأنه لا
يخفاك أننا نقصد الحج نطلب الأجر والغفران ، لا الإثم والخسران ، فأمط لنا - بما
أعطاك الله من سعة العلم - نقاب الباطل عن وجه الحقيقة أدامك الله سراجًا يهتدي
به مَن ضل عن محجة الصواب ، والسلام عليك .
4 شعبان سنة 1331 إلى مصر . القاهرة
من المخلص
ناصر مبارك الخيري
بالبحرين
أجوبة المنار
قد سبق لنا القول في مجلدات المنار السابقة عن حكم الحج جملة وتفصيلا ،
والانتقاد على ملوك المسلمين وأمرائهم أنهم تركوا هذه الفريضة ، وعذر الأستاذ
الإمام رحمه الله تعالى في تأخير هذه الفريضة إلى أن وافاه أمر ربه ، وكون عذرنا
عين عذره .
وما نظن أن السائل وأصحابه الذين أشار إليهم قد علقوا حجهم على جواب
هذه الأسئلة ، ولعله قال ذلك لنبادر إلى الجواب عنها ، وها نحن أولاء نبادر إلى
ذلك ، وإن كان لدينا كثير من الأسئلة مقدمة عليها في التاريخ .
* * *

ليست هناك تعليقات: