الخميس، 12 مايو 2016

منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات

 

منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات
 محاضرة آيات الصفات التي ألقاها فضيلة الشيخ محمد الأمين بالجامعة الإسلامية 13 رمضان سنة 1382
 الأسماء والصفات نقلا وعقلا:
 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فإنا نريد أن نوضح لكم معتقد السلف والطريق الذي هو المنجي نحو آيات الصفات أولا اعلموا أن كثرة الخوض والتعمق في البحث في آيات الصفات وكثرة الأسئلة في ذلك الموضوع من البدع التي يكرهها السلف اعلموا أن مبحث آيات الصفات دل القرآن العظيم أنه يتركز على ثلاثة أسس من جاء بها كلها فقد وافق الصواب وكان على الإعتقاد الذي كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه والسلف الصالح ومن أخل بواحد من تلك الأسس الثلاثة فقد ضل وكل هذه الأسس الثلاثة يدل عليها قرآن عظيم 
 أحد هذه الأسس الثلاثة هو تنزيه الله جل وعلا على أن يشبه بشيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى ليس كمثله شيء الشورى 11 ولم يكن له كفوا أحد الإخلاص 4 فلا تضربوا لله الأمثال النحل 74 الثاني من هذه الأسس هو الإيمان بما وصف الله به نفسه لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله ءأنتم أعلم أم الله البقرة 14 والإيمان بما وصفه به رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي قال في حقه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى النجم 3 4 فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله الله صلى الله عليه و سلم وينزه ربه جل وعلا عن أن تشبه صفته صفة المخلوقين وحيث أخل بأحد هذين الأصلين وقع في هوة ضلال لأن من تنطع بين يدي رب السموات والأرض وتجرأ على الله بهذه الجرأة العظيمة ونفى عن ربه وصفا أثبته لنفسه فهذا مجنون فالله جل وعلا يثبت لنفسه صفات كمال وجلال فكيف يليق بمسكين جاهل أن يتقدم بين يدي رب السموات والأرض ويقول هذا الذي وصفت به نفسك لا يليق بك ويلزمه من النقص كذا فإنه أؤوله وألغيه وآتي ببدله من تلقاء 
 نفسي من غير استناد إلى كتاب وسنة سبحانك هذا بهتان عظيم ومن ظن أن صفة خالق السموات والأرض تشبه شيئا من صفات الخلق فهذا مجنون جاهل ملحد ضال ومن آمن بصفات ربه جل وعلا منزها ربه عن مشابهة صفاته لصفات الخلق فهو مؤمن منزه سالم من ورطة التشبيه والتعطيل وهذا التحقيق هو مضمون قوله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورى 11 فهذه الآية فيها تعليم عظيم يحل جميع الإشكالات ويجيب عن جميع الأسئلة حول الموضوع ذلك لأن الله قال وهو السميع البصير بعد قوله ليس كمثله شيء ومعلوم أن السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر يتصف بهما جميع الحيوانات فكأن الله يشير للخلق ألا ينفوا عنه صفة سمعه وبصره بادعاء أن الحوادث تسمع وتبصر وأن ذلك تشبيه بل عليهم أن يثبتوا له صفة سمعه وبصره على أساس ليس كمثله شيء فالله جل وعلا له صفات لائقة بكماله وجلاله والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم وكل هذا حق ثابت لا شك فيه إلا أن صفة رب السموات والأرض أعلى وأكمل من أن تشبه صفات المخلوقين فمن نفى عن الله وصفا أثبته لنفسه فقد جعل نفسه أعلم بالله من الله سبحانك هذا بهتان عظيم ومن ظن أن 
صفة ربه تشبه شيئا من صفة الخلق فهذا مجنون ضال ملحد لا عقل له يدخل في قوله تعالى عن المشركين تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين الشعراء 97 98 ومن يسوي رب العالمين بغيره فهو مجنون ثم اعلموا أن المتكلمين الذين خاضوا في الكلام وجاءوا بأدلة يسمونها أدلة عقلية ركبوها في أقيسة منطقية قسموا صفات الله جل وعلا إلى ستة أقسام قالوا هناك صفة نفسية وصفة معنى وصفة معنوية وصفة فعلية وصفة سلبية وصفة جامعة أما الصفات الإضافية فقد جعلوها أمورا اعتبارية لا وجود لها في الخارج وسببوا بذلك إشكالات عظيمة وضلالا مبينا ثم إنا نبين لكم على تقسيم المتكلمين ما جاء في القرآن العظيم من وصف الخالق جل وعلا بتلك الصفات ووصف المخلوقين بتلك الصفات وبيان 1 القرآن العظيم لأن صفة خالق السموات والأرض حق وإن صفة المخلوقين حق وأنه لا مناسبة بين صفة الخالق وبين صفة المخلوق فصفة الخالق لائقة بذاته وصفة المخلوق مناسبة لعجزه وافتقاره وبين الصفة والصفة من المخالفة كمثل ما بين الذات والذات 
 أما هذا الكلام الذي يدرس في أقطار الدنيا اليوم في المسلمين فإن أغلب الذين يدرسونه إنما يثبتون من الصفات التي يسمونها صفات المعاني سبع صفات فقط وينكرون سواها من المعاني وصفة المعني عندهم في الإصطلاح ضابطها هي أنها ما دل على معنى وجودي قائم بالذات والذي اعترفوا به منها سبع صفات هي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ونفوا غير هذه الصفات من صفات المعاني التي سنبينها ونبين أدلتها من كتاب الله وأنكر هذه المعاني السبعة المعتزلة وأثبتوا أحكامها فقالوا هو قادر بذاته سميع بذاته عليم بذاته حي بذاته ولم يثبتوا قدرة ولا علما ولا حياة ولا سمعا ولا بصرا فرارا من تعدد القديم وهو مذهب كل العقلاء يعرفون ضلاله وتناقضه وأنه إذا لم يقم بالذات علم استحال أن تقول هي عالمة بلا علم وهو تناقض واضح بأوائل العقول فإذا عرفتم هذا فسنتكلم على صفات المعاني التي أقروا بها فنقول 1 وصفوا الله تعالى بالقدرة وأثبتوا له القدرة والله جل وعلا يقول في كتابه إن الله على كل شيء قدير البقرة 20 ونحن نقطع أنه تعالى متصف بصفة القدرة على الوجه اللائق بكماله وجلاله كذلك وصف بعض المخلوقين بالقدرة قال إلا الذين تابوا من قبل 
 أن تقدروا عليهم المائدة 34 فأسند القدرة لبعض الحوادث ونسبها إليهم ونحن نعلم أن كل ما في القرآن حق وأن للمولى جل وعلا قدرة حقيقية تليق بكماله وجلاله كما أن للمخلوقين قدرة حقيقية مناسبة لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم وبين قدرة الخالق وقدرة المخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق وحسك بونا بذلك 2 3 ووصف نفسه بالسمع والبصر في غير ما آية من كتابه قال إن الله سميع بصير المجادلة 1 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورى 11 ووصف بعض الحوادث بالسمع والبصر قال إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا الإنسان 2 أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا مريم 38 ونحن لا نشك أن ما في القرآن حق فلله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان لائقان بجلاله وكماله كما أن للمخلوق سمعا وبصرا حقيقيين مناسبين لحاله من فقره وفنائه وعجزه وبين سمع وبصر الخالق وسمع وبصر المخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق 4 ووصف نفسه بالحياة فقال الله لا إله إلا هو الحي القيوم البقرة 255 هو الحي لا إله إلا هو  غافر 65 وتوكل على الحي الذي لا يموت الفرقان 58 ووصف أيضا بعض المخلوقين بالحياة قال وجعلنا كل شيء حي الأنبياء 30 وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا مريم 15 يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي الروم 19 ونحن نقطع بأن لله جل وعلا صفة حياة حقيقية لائقة بكماله وجلاله كما أن للمخلوقين حياة مناسبة لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم وبين صفة الخالق وصفة المخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق وذلك بون شاسع بين الخالق وخلقه 5 ووصف جل وعلا نفسه بالإرادة قال فعال لما يريد البروج 16 إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون يس 82 ووصف بعض المخلوقين بالإرادة قال تريدون عرض الدنيا الأنفال 67 إن يريدون إلا فرارا الأحزاب 13 يريدون ليطفئوا نور الله الصف 8 ولا شك أن لله إرادة حقيقية لائقة بكماله وجلاله كما أن للمخلوقين إرادة مناسبة لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم وبين إرادة الخالق والمخلوق كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق 6 ووصف نفسه جل وعلا بالعلم قال والله بكل شيء  عليم التغابن 11 لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه النساء 166 فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين الأعراف 7 ووصف بعض المخلوقين بالعلم قال إنا نبشرك بغلام عليم الحجر 53 وإنه لذو علم لما علمناه يوسف 68 ولا شك أن للخالق جل وعلا علما حقيقيا لائقا بكماله وجلاله محيطا بكل شيء كما أن للمخلوقين علما مناسبا لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم وبين علم الخالق وعلم المخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق 7 ووصف نفسه جل وعلا بالكلام قال وكلم الله موسى تكليما النساء 164 فأجره حتى يسمع كلام الله التوبة 6 ووصف بعض المخلوقين بالكلام قال فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين يوسف 54 تكلمنا أيديهم يس 65 ولا شك أن للخالق تعالى كلاما حقيقيا لائقا بكماله وجلاله كما أن للمخلوقين كلاما مناسبا لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم وبين كلام الخالق وكلام المخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق هذه صفات المعاني سمعتم ما في القرآن من وصف الخالق بها ووصف المخلوق بها ولا يخفى على عاقل أن صفات الخالق  حق وأن صفات الخالق لائقة بجلاله وكماله وصفات المخلوقين مناسبة لحالهم وبين الصفة والصفة كما بين الذات والذات وسنبين مثل ذلك في الصفات التي يسمونها سلبية
 الكلام على الصفات السلبية عند المتكلمين ضابط الصفة السلبية عند المتكلمين هي الصفة التي دلت على عدم محض والمراد بها أن تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله من غير أن تدل على معنى وجودي قائم بالذات والذين قالوا هذا جعلوا الصفات السلبية خمسا لا سادسة لها وهي عندهم القدم والبقاء والمخالفة للخلق والوحدانية والغنى المطلق الذي يسمونه القيام بالنفس الذي يعنون به الاستغناء عن الحيز والمحل فإذا عرفتم هذا فاعلموا أن القدم والبقاء الذين وصف المتكلمون بهما الله جل وعلا زاعمين أنه وصف بهما نفسه في قوله هو الأول والآخر الحديد 3 والقدم في الاصطلاح عبارة عن سلب العدم السابق إلا أنه عندهم أخص من الأزل لأن الأزل عبارة عما لا افتتاح له سواء كان وجوديا كذات الله وصفاته أو عدميا 1 والقدم عندهم عبارة عما لا أول له بشرط  أن يكون وجوديا كذات الله متصفة بصفات الكمال والجلال ونحن الآن نتكلم على ما وصفوا به الله جل وعلا من القدم والبقاء وإن كان بعض العلماء كره وصفه جل وعلا بالقدم كما يأتي فالله عز و جل وصف المخلوقين بالقدم قال تالله إنك لفي ضلالك القديم يوسف 95 كالعرجون القديم يس 39 أنتم وآباؤكم الأقدمون الشعراء 76 ووصف المخلوقين بالبقاء قال وجعلنا ذريته هم الباقين الصافات 77 ما عندكم ينفد وما عند الله باق النحل 96 ولا شك أن ما وصف به الله من هذه الصفات مخالف لما وصف به الخلق نحو ما تقدم أما الله عز و جل فلم يصف في كتابه نفسه بالقدم وبعض السلف كره وصفه بالقدم لأنه قد يطلق مع سبق العدم نحو كالعرجون القديم يس 39 إنك لفي ضلالك القديم يوسف 95 أنتم وآباؤكم الأقدمون الشعراء 76 وقد زعم بعضهم أنه جاء فيه حديث بعض العلماء يقول هو يدل على وصفه بهذا وبعضهم يقول لم يثبت أما الأولية والآخرية التي نص الله عليهما في قوله هو الأول والآخر فقد وصف المخلوقين أيضا بالأولية والآخرية قال ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين المرسلات 16
  17 - ولا شك أن ما وصف الله به نفسه من ذلك لائق بجلاله وكماله كما أن للمخلوقين أولية وآخرية مناسبة لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم ووصف نفسه بأنه واحد قال وإلهكم إله والحد البقرة 163 ووصف بعض المخلوقين بذلك قال يسقى بماء واحد الرعد 4 ووصف نفسه بالغنى إن الله لغني حميد إبراهيم 8 إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد التغابن 6 ووصف بعض المخلوقين بذلك قال ومن كان غنيا فليستعفف النساء 6 إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله النور 32 فهذه صفات السلب جاء في القرآن وصف الخالق ووصف المخلوق بها ولا شك أن ما وصف به الخالق منها لا ئق بكماله وجلاله وما وصف به المخلوق مناسب لحاله وعجزه وفنائه وافتقاره
 الكلام عن الصفات السبع ثم نذهب إلى الصفات السبع التي يسمونها المعنوية والتحقيق أن عدد الصفات السبع المعنوية التي هي كونه تعالى قادرا ومريدا وعالما وحيا وسميعا وبصيرا ومتكلما أنها في الحقيقة
 إنما هي كيفية الاتصاف بالمعاني السبع التي ذكرنا ومن عدها من المتكلمين عدها بناء على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة والتحقيق أن هذه خرافة وخيال وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه واسطة البتة فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعا وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعا ولا واسطة البتة كما هو معروف عند العقلاء وأذن فقد مثلنا لكونه قادرا وحيا ومريدا وسميعا وبصيرا ومتكلما ولما جاء في القرآن من وصف الخالق بذلك وما جاء في القرآن من وصف المخلوق بذلك وبينا أن صفة الخالق لائقة بكماله وجلاله وأن صفة المخلوق مناسبة لحاله وفنائه وعجزه وافتقاره فلا داعي لأن ينفي وصف رب السموات والأرض عنه ولا نشبهه بصفات المخلوقين بل يلزم أن نقر بوصف الله ونؤمن به في حال كوننا منزهين له عن مشابهة صفة المخلوق وهذه صفات الأفعال جاء في القرآن بكثرة وصف الخالق بها ووصف المخلوق ولا شك أن ما وصف به الخالق منها مخالف لما وصف به المخلوق ولا شك أن ما وصف به الخالق منها مخالف لما وصف به المخلوق كالمخالفة التي بين ذات الخالق وذات المخلوق ومن ذلك أنه وصف نفسه جل وعلا بصفة الفعل التي هي أنه يرزق خلقه قال جل وعلا ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين  الذاريات 57 58 وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين سبأ 39 قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين الجمعة 11 ووصف بعض المخلوقين بصفة الرزق قال وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه النساء 8 ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها النساء 5 وعلى المولود له رزقهن البقرة 233 ولا شك أن ما وصف الله به من هذا الفعل مخالف لما وصف به منه المخلوق كمخالفة ذات الله لذات المخلوق ووصف نفسه جل وعلا بصفة الفعل الذي هو العمل قال أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون يس 71 ووصف المخلوقين بصفة الفعل التي هي العمل قال إنما تجزون ما كنتم تعملون الطور 16 ولا شك أن ما وصف به المخلوق مخالف له كمخالفة ذات الخالق لذات المخلوق وصف نفسه بأنه يعلم خلقه الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الرحمن 1 4 اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم العلق 3 5 وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله  عليك عظيما ووصف بعض خلقه بصفة الفعل التي هي التعليم أيضا قال هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة الجمعة 2 وجمع المثالين في قوله تعلمونهن مما علمكم الله المائدة 4 ووصف نفسه جل وعلا بأنه ينبىء ووصف المخلوق بأنه ينبىء وجمع بين الفعل في الأمرين في قوله جل وعلا وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير التحريم 3 ولا شك أن ما وصف الله به من هذا الفعل مخالف لما وصف به منه العبد كمخالفة ذات الخالق لذات المخلوق ووصف نفسه بصفة الفعل الذي هو الإيتاء قال جل وعلا يؤتي الحكمة من يشاء البقرة 269 ويؤت كل ذي فضل فضله هود 3 ووصف المخلوقين بالفعل الذي هو الإيتاء قال وآتيتم إحداهن قنطارا النساء 20 وآتوا النساء صدقاتهن نحلة النساء 4 ولا شك أن ما وصف الله به من هذا الفعل مخالف لما وصف له العبد من هذا الفعل كمخالفة ذاته لذاته  الصفات الجامعة ثم نتكلم على الصفات الجامعة كالعلو والعظم والكبر والملك والتكبير والجبروت والعزة والقوة وما جرى مجرى ذلك من الصفات الجامعة فنجد الله وصف نفسه باللو والكبر والعظم قال في وصف نفسه بالعلو والعظمة ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم البقرة 255 وقال في وصف نفسه بالعلو والكبر إن الله كان عليا كبيرا النساء 34 عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال الرعد 9 ووصف بعض المخلوقين بالعظم قال فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم الشعراء 63 إنكم لتقولون قولا عظيما الإسراء 40 ولها عرش عظيم النمل 23 ووصف بعض المخلوقين بالعلو قال ورفعناه مكانا عليا مريم 57 وجعلنا لهم لسان صدق عليا مريم 50 ووصف بعض المخلوقات بالكبر لهم مغفرة وأجر كبير هود 11 بل فعله كبيرهم هذا الأنبياء 63 ولا شك أن ما وصف الله به من هذه الصفات الجامعة كالعلو والكبر والعظم مناف لما وصف به المخلوق منها كمخالفة ذات الخالق جل وعلا لذات المخلوق فلا مناسبة بين ذات الخالق وذات المخلوق كما لا مناسبة بين صفة الخالق وصفة المخلوق  ووصف نفسه بالملك قال يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس الجمعة 1 في مقعد صدق عند مليك مقتدر القمر 55 ووصف بعض المخلوقين بالملك قال وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يوسف 43 وقال الملك ائتوني به يوسف 50 وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا الكهف 79 تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء آل عمران 26 ولا شك أن لله جل وعلا ملكا حقيقيا لائقا بكماله وجلاله كما أن للمخلوقين ملكا مناسبا لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم وصف نفسه بأنه جبار متكبر في قوله العزيز الجبار المتكبر الحشر 23 ووصف بعض المخلوقين بأنه جبار متكبر قال كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار غافر 35 وإذا بطشتم بطشتم جبارين الشعراء 130 أليس في جهنم مثوى للمتكبرين الزمر 60 واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد إبراهيم 15 ولا شك أن ما وصف به الخالق من هذه الصفات مناف لما وصف به المخلوق كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق ووصف نفسه جل وعلا بالعزة قال إن الله عزيز حكيم البقرة 220 أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز  الوهاب ص 9 ووصف بعض المخلوقين بالعزة وقال وقالت امرأة العزيز يوسف 51 وعزني في الخطاب ص 20 وجمع المثالين في قوله ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين المنافقون 8 ولا شك أن ما وصف به الخالق من هذا الوصف مناف لما به المخلوق كمخالفة ذات الخالق لذات المخلوق ووصف نفسه جل وعلا بالقوة قال ما أريد منهم من رزق وما أريد أ يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين الذاريات 57 58 ولينصرن الله من ينصره إن الله لققوي عزيز الحج 40 ووصف بعض المخلوقين بالقوة قال ويزدكم قوة إلى قوتكم هود 52 وقال جل وعلا الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة الروم 54 وجمع بين المثالين في قوله فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فصلت 15
 الصفات التي اختلف فيها المتكلمون ثم إننا نتكلم على الصفات التي اختلف فيها المتكلمون هل هي صفات فعل أو صفات معنى والتحقيق أنها صفات معان  قائمة بذات الله جل وعلا كالرأفة والرحمة والحلم فنجده جل وعلا وصف نفسه بأنه رؤوف رحيم قال إن ربكم لرؤوف رحيم النحل 7 ووصف بعض المخلوقين بذلك قال في وصف نبينا صلى الله عليه و سلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم التوبة 128 ووصف نفسه بالحلم قال ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعيم حليم الحج 59 واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم البقرة 235 قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم البقرة 263 ووصف بعض المخلوقين بالحلم قال فبشرناه بغلام حليم الصافات 101 إن إبراهيم لأواه حليم التوبة 114 ووصف نفسه بالمغفرة قال إن الله غفور رحيم البقرة 173 فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء البقرة 284 ووصف بعض المخلوقين بالمغفرة قال ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور الشورى 43 قول معروف ومغفرة البقرة 263 قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله الجاثية 14 ولا شك أن ما وصف به خالق السموات والأرض من هذه الصفات أنه حق لائق بكماله وجلاله لا يجوز أن ينفي خوفا من التشبيه بالخلق وإن ما  وصف به الخلق من هذه الصفات حق مناسب لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم وعلى كل حال فلا يجوز للإنسان أن يتنطع إلى وصف أثبته الله جل وعلا لنفسه فينفي هذا الوصف عن الله متهجما على رب السموات والأرض مدعيا عليه أن هذا الوصف الذي تمدح به أنه لا يليق به وأنه هو ينفيه عنه ويأتيه بالكمال من كيسه الخاص فهذا جنون وهوس ولا يذهب إليه إلا من طمس الله بصائرهم وسنضرب لكم لهذا مثلا يتبين به الجميع لأن مثلا واحدا من آيات الصفات ينسحب على الجميع إذ لا فرق بين الصفات لأن الموصوف بها واحد وهو جل وعلا لا يشبهه شيء من خلقه في شيء من صفاته البتة فهذه صفة الاستواء التي كثر فيها الخوض ونفاها كثير من الناس بفلسفة منطقية وأدلة جدلية سنتكلم في آخر البحث على وجوه إبطالها كلاما يخص الذين درسوا المنطق والجدل ليتبين كيف استدل أولئك بالباطل وأبطلوا به الحق وأحقوا به الباطل فهذه صفة الاستواء تجرأ الآلاف ممن يدعون الإسلام فنفوها عن رب السموات والأرض بأدلة منطقية يركبون فيها قياسا استثنائيا مركبا من شرطية متصلة لزومية يستثنون فيه نقيض التالي ينتجون في زعمهم الباطل نقيض المقدم بناء على أن نفي اللازم نفي الملزوم فيقولون مثلا لو كان مستويا على عرشه لكان مشابها للخلق لكنه غير مشابه للخلق ينتج فهو غير مستو على العرش وهذه النتيجة باطلة لمخالفتها صريح القرآن اعلموا أن هذه الصفة التي هي صفة الاستواء صفة كمال وجلال تمدح بها رب السموات والأرض والقرينة على أنها صفة كمال وجلال أن الله ما ذكرها في موضع من كتابه إلا مصحوبة بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله التي هي منها وسنضرب مثلا لذلك بذكر الآيات 1 أو سورة ذكر الله فيها صفة الاستواء حسب ترتيب المصحف سورة الأعراف قال إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين الأعراف 54 فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال 2 الموضع الثاني في سورة يونس قال إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش  يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفضل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون يونس 3 6 فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على هذا الكمال والجلال 3 الموضع الثالث في سورة الرعد في قوله جل وعلا الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم  يعقلون الرعد 2 3 وفي القراءة الأخرى وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان تسقى 1 بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال 4 الموضوع الرابع في سورة طه طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلي الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى طه 1 8 فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال 5 - الموضع الخامس في سورة الفرقان في قوله وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا الفرقان 58 59 فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على هذا الكمال والجلال 6 الموضع السادس في سورة السجدة في قوله تعالى أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون السجدة 3 9 فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الغاية من الجلال والكمال 7 الموضع السابع في سورة الحديد في قوله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي  خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير الحديد 3 4 فالشاهد أن هذه الصفات التي يظن الجاهلون أنها صفة نقص ويتهجمون على رب السموات والأرض بأنه وصف نفسه صفة نقص ثم يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها مع أن الله جل وعلا تمدح بها وجعلها من صفات الجلال والكمال مقرونة بما يبهر من صفات الجلال والكمال هذا يدل على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جل وعلا بالتأويل
 فتنة التأويل ثم اعلموا أن هذا الشيء الذي يقال له التأويل الذ فتن به الخلق وضل به الآلاف من هذه الأمة اعلموا أن التأويل يطلق في الصطلاح مشتركا بين ثلاثة معا 1 يطلق على ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال وهذا هو معناه في القرآن نحو قوله تعالى ذلك خير لكم وأحسن تأويلا النساء 59 ولما يأتهم تأويله يونس 39 يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل  الأعراف 53 أي ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال 2 ويطلق التأويل بمعنى التفسير وهذا قول معروف كقول ابن جرير القول في تأويل قوله تعالى كذا أي تفسيره 3 أما في اصطلاح الأصوليين فالتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات أ إما أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه ومثال هذا النوع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال الجار أحق بصقبه 2 فظاهر هذا الحديث ثبوت الشفعة للجار وحمل هذا الحديث على الشريك المقاسم حمل للفظ على محتمل مرجوح غير ظاهر متبادر إلا أن حديث جابر الصحيح فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة 3 دل على أن المراد بالجار الذي هو أحق بصقبه خصوص الشريك المقاسم فهذا النوع من صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل واضح من كتاب وسنة يجب الرجوع إليه وهذا  تأويل يسمى تأويلا صحيحا وتأويلا قريبا ولا مانع منه إذا دل عليه النصر ب الثاني هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلا وهو في نفس الأمر ليس بدليل فهذا يسمى تأويلا بعيدا ويقال له فاسد ومثل له بعض العلماء بتأويل الإمام أبي حنيفة رحمه الله لفظ امرأة في قوله صلى الله عليه و سلم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل 4 قالوا حمل هذا على خصوص المكاتبة تأويل بعيد لأنه صرف للفظ عن ظاهره المتبادر منه لأن أي في قوله أي امرأة صيغة عموم وأكدت صيغة العموم ب ما المزيدة للتوكيد فحمل هذا على صورة نادرة هي المكاتبة حمل للفظ على غير ظاهره لغير دليل جازم يجب الرجوع إليه ج أما حمل اللفظ على غير ظاهره لا لدليل فهذا لا يسمى تأويلا في الاصطلاح بل يسمى لعبا لأنه تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم ومن هذا تفسير غلاة الروافض قوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة البقرة 67 قالوا عائشة   ومن هذا النوع صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان كقولهم استوى بمعنى استولى فهذا لا يدخل في اسم التأويل لأنه لا دليل عليه البتة وإنما يسمى في اصطلاح أهل الأصول لعبا لأنه تلاعب بكتاب الله جل وعلا من غير دليل ولا سمتند فهذا النوع لا يجوز لأنه تهدم على كلام رب العالمين والقاعدة المعروفة عند علماء السلف أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه
 التعطيل سببه اعتقاد التشبيه أولا فاسمعوا أيها الأخوان نصيحة مشفق واعلموا أن كل هذا الشر إنما جاء من مسألة هي نجس القلب وتلطخه وتدنسه بأقذار التشبيه فإذا سمع ذور القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه كنزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير وكاستوائه على عرشه وكمجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال أول ما يخطر في ذهن المسكين أن هذه الصفة تشبه صفة الخلق فيكون قلبه متنجسا بأقذار التشبيه لا يقدر الله حق قدره ولا يعظم الله حق عظمته حيث يسبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيكون أولا نجس القلب متقذره بأقذار التشبيه  فيدعوه شؤم هذا التشبيه إلى أن ينفي صفة الخالق جل وعلا عنه بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق فيكون أولا مشبها وثانيا معطلا فصار ابتداء أو انتهاء متهجما على رب العالمين ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق واعلموا أن هنا قاعدة أصولية أطبق عليها من يعتد به من أهل العلم وهي أن النبي صلى الله عليه و سلم لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا سيما في العقائد ولو مشينا على فرضهم الباطل أن ظاهر آيات الصفات الكفر فالنبي صلى الله عليه و سلم لم يؤول الاستواء ب الاستيلاء ولم يؤول شيئا من هذه التأويلات ولو كان المراد بها هذه التأويلات لبادر النبي صلى الله عليه و سلم إلى بيانها لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة فالحاصل أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد هذا الاعتقاد الذي يحل جميع الشبه ويجيب عن جميع الأسئلة وهو أن الإنسان إذا سمع وصفا وصف به خالق السموات والأرض نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه و سلم فليملأ صدره من التعظيم ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين فيكون القلب منزها معظما له جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق بصفات الله التي تمدح بها  وأثنى عليه بها نبيه صلى الله عليه و سلم على غرار ليس كمثله شيء وهو السميع البصير الشورة 11 والشر كل الشر في عدم تعظيم الله وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيضطر المسكين أن ينفي صفة الخالق بهذه الدعوى الكاذبة الخائنة ولا بد في هذا المقام من نقط يتنبه إليها طالب العلم
 القول في الصفات جميعها من باب واحد أولا أن يعلم طالب العلم أن جميع الصفات من باب واحد إذ لا فرق بينها البتة لأن الموصوف بها واحد وهو جل وعلا لا يشبه الخلق في شيء من صفاتهم البتة فكما أنكم أثبتم له سمعا وبصرا لائقين بجلاله لا يشبهان شيئا من أسماع الحوادث وأبصارهم فكذلك يلزم أن تجروا هذا بعينه في صفة الاستواء والنزول والمجيء إلى غير ذلك من صفات الجلال والكمال التي أثنى الله بها على نفسه واعلموا أن رب السموات والأرض يستحيل عقلا أن يصف نفسه بما يلزمه محذور ويلزمه محال أو يؤدي إلى نقص كل ذلك مستحيل عقلا فإن الله لا يصف نفسه إلا بوصف بالغ من الشرف والعلو والكمال ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين على حد قوله ليس كمثله شيء وهو  السميع البصير الشورى 11
 القول في الصفات كالقول في الذات الثاني أن تعلموا أن الصفات والذات من باب واحد فكما أننا نثبت ذات الله جل وعلا إثبات وجود وإيمان لا إثبات كيفية مكيفة محددة فكذلك نثبت لهذه الذات الكريمة المقدسة صفات إثبات وإيمان ووجود لا إثبات كيفية وتحديد
 هل آيات الصفات هي من المتشابه واعلموا أن آيات الصفات كثير من الناس يطلق عليها اسم المتشابه وهذا من جهة غلط ومن جهة قد يسوغ كما بينه الإمام مالك بن أنس بقوله الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب 5 كذلك يقال في النزول النزول غير مجهول والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب واطرده في جميع الصفات لأن هذه الصفات معروفة عند العرب إلا أن ما وصف به خالق السموات  والأرض منها أكمل وأجل وأعظم من أن يشبه شيئا من صفات المخلوقين كما أن ذات الخالق جل وعلا حق والمخلوقون لهم ذوات وذات الخالق جل وعلا أكمل وأنزه وأجل من أن تشبه شيئا من ذوات المخلوقين فعلى كل حال الشر كل الشر في تشبيه الخالق بالمخلوق وتنجيس القلب بقذر التشبيه فالإنسان المسلم إذا سمع صفة وصف بها الله أول ما يجب عليه أن يعتقد أن تلك الصفة بالغة من الجلال والكمال ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين فتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه على نحو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
 ليس ظاهر الصفات التشبيه حتى تحتاج إلى تأويل وهنا سؤال لا بد من تحقيقه لطالب العلم أولا اعلموا أن المقرر في الأصول أن الكلام إن دل على معنى لا يحتمل غيره فهو المسمى نصا كقوله مثلا تلك عشرة كاملة البقرة 196 فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين إما أن يكون أظهر في أحد الاحتمالين من الآخر وأما أن يتساوى بينهما فإن كان الاحتمال يتساوى بينهما فهذا الذي يسمى في الاصطلاح المجمل كما لو قلت عدا اللصوص البارحة على عين زيد فإنه يحتمل أن تكون عينه الباصرة عوروها أو عينه  الجارية غوروها أو عينه ذهبه وفضته سرقوها فهذا مجمل وحكم المجمل أن يتوقف عنه إلا بدليل على الفصيل أما إذا كان نصا صريحا فالنص يعمل به ولا يعدل عنه إلا بثبوت النسخ فإذا كان أظهر في أحد الاحتمالين فهو المسمى ب الظاهر ومقابله يسمى محتملا مرجوحا والظاهر يجب الحمل عليه إلا لدليل صارف عنه كما لو قلت رأيت أسدا فهذا مثلا ظاهر في الحيوان المفترس محتمل للرجل الشجاع وإذا فنقول فالظاهر المتبادر من آيات الصفات من نحو قوله يد الله فوق أيديهم الفتح 10 وما جرى مجرى ذلك هل نقول الظاهر المتبادر من هذه الصفة هو مشابهة الخلق حتى يجب علينا أن نؤول ونصرف اللفظ عن ظاهره أو ظاهرها المتبادر منها تنزيه رب السموات والأرض حتى يجب علينا أن نقره على الظاهر من التنزيه الجواب أن كل وصف أسند إلى رب السموات والأرض فظاهره المتبادر منه عند كل مسلم هو التنزيه الكامل عن مشابهة الخلق فإقراره على ظاهره هو الحق وهو تنزيه رب السموات والأرض عن مشابهة الخلق في شيء من صفاته فهل ينكر عاقل أن المتبادر للأذهان السليمة أن الخالق ينافي المخلوق في ذاته وسائر صفاته لا والله لا يعارض في هذا إلا  مناقشة المتكلمين وإلزامهم الحق بمقتضى قواعدهم ثم بعد هذا البحث الذي ذكرنا نحب أن نذكر كلمة قصيرة لجماعة قرؤوا في المنطق والكلام وظنوا نفي بعض الصفات من أدلة كلامية كالذي يقول مثلا لو كان مستويا على العرش لكان مشابها للحوادث لكنه غير مشابه للحوادث ينتج فهو غير مستو على العرش هذه النتيجة الباطلة تضاد سبع آيات من المحكم المنزل ولكننا الآن نقول في 6 مثل هذا على طريق المناظرة والجدل المعروف عند المتكلمين نقول هذا قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية واستثنائية استثنى فيه نقيض التالي فأنتج نقيض المقدم حسب ما يراه مقيم هذا الدليل ونحن نقول أنه تقرر عند عامة النظار أن القياس الاستثنائي المركب من شرطية متصلة لزومية يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات 1 يتوجه عليه من جهة استثنائيته 2 ويتوجه عليه من جهة شرطيته إذا كان الربط بين المقدم والتالي ليس بصحيح 3 ويتوجه عليه من جهة شرطيته إذا كان الربط بين المقدم وهذه القضية كاذبة الشرطية فالربط بين مقدمها وتاليها كاذب  كذبا بحتا ولذا جاءت نتيجتها مخالفة لسبع آيات إيضاحه أن نقول قولكم لو كان مستويا على العرش لكان مشابها للحوادث هذا الربط بين لو واللام كاذب كاذب كاذب بل هو سمتو على عرشه كما قال من غير مشابهة للحوادث كما أن سائر صفاته واقعة كما قال من غير مشابهة للخلق ولا يلزم استواءه على عرشه كما قال أن يشبه شيئا من المخلوقين في صفاتهم البتة بل استواؤه صفة من صفاته وجميع صفاته منزهة عن مشابهة الخلق كما أن ذاته منزهة عن مشابهة ذوات الخلق ويطرد هذا في مثل هذا وعلى كل حال فالجواب عن شيء واحد من هذا يطرد في الجميع وآخر ما نختتم به هذه المقالة أنا نوصيكم وأنفسنا بتقوى الله وأن تلتزموا بثلاث جمل من كتاب الله الأولى ليس كمثله شيء الشورى 11 فتنزهوا رب السموات والأرض عن مشابهة الخلق الثانية وهو السميع البصير الشورى 11 فتؤمنوا بصفات الجلال والكمال الثابتة في الكتاب والسنة على أساس التنزيه كما جاء وهو السميع البصير بعد قوله ليس كمثله شيء  الثالثة أن تقطعوا أطماعكم عن إدراك حقيقة الكيفية لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل وهذا نص الله عليه في سورة طه حيث قال يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما فقوله يحيطون به فعل مضارع والفعل الصناعي الذي يسمى بالفعل المضارع وفعل الأمر والفعل الماضي ينحل عند النحويين عن مصدر و زمن كما قال ابن مالك في الخلاصة ... المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمن من أمن ... وقد حرر علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية أنه ينحل عن مصدر وزمن ونسبة فالمصدر كامن في مفهومه إجماعا ف يحيطون تكمن في مفهومها الإحاطة فيتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل فيكون معه كالنكرة المبنية على الفتح فيصير المعنى لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها فالإحالة المسندة للعلم منفية عن رب العالمين فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء ولا صفة يد ولا أصابع ولا عجب ولا ضحك لأن هذه الصفات كلها من باب واحد فما وصف الله به نفسه منها فهو حق وهو لائق  بكماله وجلاله لا يشبه شيئا من صفات المخلوقين وما وصف به المخلوق منها فهو حق مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم وهذا الكلام الكثير أوضحه الله في كلمتين ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ليس كمثله شيء تنزيه بلا تعطيل وهو السميع البصير إيمان بلا تمثيل فيجب من أول الآية وهو ليس كمثله شيء التنزيه الكامل الذي ليس فيه تعطيل ويلزم من قوله وهو السميع البصير الإيمان بجميع الصفات الذي ليس فيه تمثيل فأول الآية تنزيه وآخرها إثبات ومن عمل بالتنزيه الذي في ليس كمثله شيء والإيمان الذي في قوله وهو السميع البصير وقطع النظر عن إدراك الكنه والحقيقة المنصوص في قوله ولا يحيطون به علما طه 110 خرج سالما وقد ذكرت لكم مرارا أني أقول هذه الأسس الثلاثة التي ركزنا عليها البحث وهي 1 تنزيه الله عن مشابهة الخلق 2 الإيمان بالصفات الثابتة بالكتاب والسنة وعدم التعرض لنفيها وعدم التهجم على الله بنفي ما أثبته لنفسه 3 وقطع الطمع عن إدراك الكيفية لو متم يا إخواني وأنتم على هذا المعتقد أترون الله يوم القيامة يقول لكم لم نزهتموني عن مشابهة الخلق ويلوموكم على  ذلك لا وكلا والله لا يلومكم على ذلك أترون أنه يلومكم على أنكم آمنتم بصفاته وصدقتموه فيما أثنى به على نفسه ويقول لكم لم أثبتم لي ما أثبت لنفسي أو أثبته لي رسولي لا والله لا يلومكم على ذلك ولا تأتيكم عاقبة سيئة من ذلك كذلك لا يلومكم على ذلك ولا تأتيكم عاقبة سيئة من ذلك كذلك لا يلومكم الله يوم القيامة ويقول لكم لم قطعتم الطمع عن إدراك الكيفية ولم تحددوني بكيفية مدركة ثم أنا نقول لو تنطع متنطع وقال نحن لا ندرك كيفية نزول منزهة عن نزول الخلق ولا ندرك كيفية يد منزهة عن أيدي الخلق ولا ندرك كيفية استواء منزهة عن استواءات الخلق فبينوا لنا كيفية معقولة منزهة تدركها عقولنا فنقول أولا هذا السؤال الذي قال فيه مالك بن أنس والسؤال عن هذا بدعة ولكن نجيب نقول أعرفت أيها متنطع السائل الضال كيفية الذات المقدسة الكريمة المتصفة بصفة النزول وصفة اليد وصفة الاستواء وصفة السمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم فلا بد أن يقول لا فنقول معرفة كيفية الصفة متوقفة على معرفة كيفية الذات إذ الصفات تختلف باختلاف موصوفاتها ونضرب مثلا ولله المثل الأعلى فإن الأمثال لا تضرب لله ولكن الأخرويات لا مانع منها كما جاء بها القرآن فنقول مثلا كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله لفظة رأس الراء  والهمزة والسين رأس هذه الكلمة أضفها إلى المال وأضفها إلى الوادي وأضفها إلى الجبل قل رأس المال رأس الوادي رأس الجبل فانظر ما صار من الاختلاف بين هذه المعاني بحسب هذه الإضافات وهذا في مخلوق ضعيف مسكين فما بالك بالبون الشاسع الذي بين صفة الخالق جل وعلا وصفة المخلوق وختاما يا إخواني نعود فنوصيكم وأنفسنا بتقوى الله وأن تتمسكوا بهذه الكلمات الثلاث 1 أن تنزهوا ربكم عن مشابهة صفات الخلق 2 أن تؤمنوا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه و سلم إيمانا مبنيا على أساس التنزيه على نحو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير 3 وتقطعوا الطمع في إدراك الكيفية لأن الله يقول ولا يحيطون به علما
 مقارنة بين ما سموه مذهب السلف ومذهب الخلف ثم أنا نريد إنهاء البحث بالمقارنة بين ما يسمونه مذهب السلف ومذهب الخلف وقولهم إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم وأعلم فنقول  من السلامة وما كان يفوق غيره ويفضله في السلامة فلا شك أنه أعلم منه وأحكم ثانيا اعلموا أن المؤولين ينطبق عليهم بيت الشافعي رحمه الله ... رام نفعا فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقا ... وإيضاح المقارنة أن من كان على معتقد السلف الصالح إذا سمع مثلا قوله تعالى على العرش استوى امتلأ قلبه من الإجلال والتعظيم والإكبار لصفة رب العالمين التي مدح بها نفسه وأثنى عليه بها فجزم بأن تلك الصفة التي تمدح بها خالق السموات والأرض بالغة من غايات الكمال والجلال ما يقطع علائق أوهام المشاهبة بينها وبين صفات الخلق لأن الصفة لا يمكن أن تشبه صانعها 7 في ذاته ولا في شيء من صفاته وبإجلال تلك الصفة وتعظيمها وحملها على أشرف المعاني اللائقة بكمال من وصف بها نفسه وجلاله يسهل على ذلك المؤمن السلفي أن يؤمن بتلك الصفة ويثبتها لله كما أثبتها الله لنفسه على أساس التنزيه فيكون أولا منزها سالما من أقذار التشبيه وثانيا مؤمنا بالصفات مصدقا بها على أساس  التنزيه فيكون سالما من أقذار التعطيل فيجمع بين التنزيه والإيمان بالصفات على نحو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فمعتقده طريق سلامة محققة لأنه مبني على ما تضمنته آية ليس كمثله شيء الآية من التنزيه والإيمان بالصفات فهو تنزيه من غير تعطيل وإيمان من غير تشبيه ولا تمثيل وكل هذا طريق سلامة محققة وعمل بالقرآن فهذا هو مذهب السلف وأما ما يسمونه مذهب الخلف فالحامل لهم فيه على نفي الصفات وتأويلها هو قصدهم تنزيه الله عن مشابهة الخلق ولكنهم في محاولتهم لهذا التنزيه وقعوا في ثلاث بلايا ليست واحدة منها إلا وهي أكبر من أختها الأولى من هذه البلايا الثلاث أنهم إذا سمعوا قول الله تعالى ثم استوى على العرش زعموا أن ظاهر الاستواء في الآية هو مشابهة استواء المخلوقين فتهجموا على ما وصف الله به نفسه في محكم كتابه وادعوا عليه أن ظاهره المتبادر منه هو التشبيه بالمخلوقين في استوائهم فكأنهم يقولون لله هذا الاستواء الذي أثنبت به على نفسك في سبع آيات من كتابك ظاهره قذر نجس لا يليق بك لأنه تشبيه بالمخلوقين ولا شيء من الكلام أقذر وأنجس من تشبيه الخالق  بخلقه سبحانك هذا بهتان عظيم وهذه هي البلية الأولى التي هي التهجم على نصوص الوحي وادعاء أن ظاهرها تشبيه الخالق بالمخلوق وناهيك بها بلية ثم لما تقررت هذه البلية في أذهانهم وتقذرت قلوبهم بأقذار التشبيه اضطروا بسببها إلى نفي صفة الاستواء فرارا من مشابهة الخلق التي افتروها على نصوص القرآن أنها هي ظاهرها ونفي الصفة التي أثنى الله بها على نفسه من غير استناد إلى كتاب أو سنة هو البلية الثانية التي وقعوا فيها فحملوا نصوص القرآن أولا على معان غير لائقة بالله ثم نفوها من أصلها فرارا من المحذور الذي زعموا والبلية الثالثة أنهم يفسرون الصفة التي نفوها بصفة أخرى من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى وحي مع أن الصفة التي فسرها بها هي بالغة غاية التشبيه بالمخلوقين فيقولون استوى ظاهره مشابهة استواء المخلوقين فمعنى استوى استولى ويستدلون بقول الراجز في إطلاق الاستواء على الاستيلاء ... قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق ... ولا يدرون أنهم شبهوا استيلاء الله على عرشه الذي زعموه  باستيلاء بشر بن مروان على العراق فأي تشبيه بصفات المخلوقين أكبر من هذا وهل يجوز لمسلم أن يشبه صفة الله التي هي الاستيلاء المزعوم بصفة بشر التي هي استيلاؤه على العراق وصفة الاستيلاء من أوغل الصفات في التشبيه بصفات المخلوقين لأن فيها التشبيه باستيلاء مالك الحمال على حماره ومالك الشاة على شاته ويدخل فيها كل مخلوق قهر مخلوقا واستولى عليه وفي هذا من أنواع التشبيه مالا يحصيه إلا الله فإن زعم من شبه أولا وعطل ثانيا وشبه ثالثا أيضا أن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء المخلوقين قلنا له نحن نسألك ونطلب منك الجواب بإنصاف أيهما أحق بالتنزيه عن مشابهة الخلق الاستواء الذي مدح الله به نفسه في محكم كتابه وهو في نفس القرآن الذي يتلى ولتاليه بكل حرف منه عشر حسنات لأنه كلام الله أم الأحق بالتنزيه هو الاستيلاء الذي جئتم به من تلقاء انفسكم من غير استناد إلى وحي ولا شك أن الجواب الحق أن اللفظ الوارد في القرآن أحق بالتنزيه والحمل على أشرف المعاني وأكملها من اللفظ الذي جاء به معطل من كيسه الخاص لا مستند له من الوحي  وبهذه الكلمات القليلة يظهر لكم أن مذهب السلف أسلم وأحكم وأعلم وقد بسطنا هذه المقارنة في غير هذا الموضع فاختصرناها هنا والعلم عند الله تعالى
 وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم  
 

ليست هناك تعليقات: