بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الختان
معناه وحكمه:
الختان: مصدر (ختن) أي: قطع، والختن: قطع الجلدة التي تغطى الحشفة من الذكر، وقطع الجلدة التي في أعلى فرج الأنثى. [انظر ((تحفة المودود)) لابن القيم (ص: 106، 132)، و((المجموع)): (1/301)].
وهو من سنن الفطرة
ما المقصود بسنن الفطرة؟ وما هي؟
هي: الخصال التي إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحشرهم عليها، واستحبها لهم، ليكونوا على أكمل الصفات، وأشرف صورة.
وهي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلىّ فطروا عليه. [نيل الأوطار (1/109)، وعمدة القارى للعيني (22/45)].
ويتعلق بخصال الفطرة مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبّع، منها:
تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلاً. [فيض القدير للمناوي (1/38)].
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((خمس من الفطرة: الاستحداد والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار)) [أخرجه البخاري (5891)، ومسلم (257)].
وعن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيبٍ عن ابن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء -يعني الاستنجاء-)). قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. [أخرجه مسلم (261)، وأبو داود (52)، والترمذي (2906)، والنسائي (8/126)، وابن ماجة (293)].
والحاصل من الحديثين أن خصال الفطرة ليست منحصرة في هذه العشر، ولكن منها:
1. الختان. 2. انتقاص الماء، أي: الاستنجاء.
3. السواك. 4. تقليم الأظفار.
5. قص الشارب. 6. إعفاء اللحية.
7. الاستحداد، وهو حلق الشعر حول الفرج (شعر العانة).
8. نتف شعر الإبط.
9. غسل البراجم، وهي: المواضع التي تتجمع فيها الأوساخ كعقد الأصابع ومعاطف الأذن ونحوها.
10. المضمضة والاستنشاق.
وأما حكم الختان: فللعلماء فيه ثلاثة أوجه:
1. أنه واجب على ذكر والأنثى.
2. أنه مستحب لهما.
3. أنه واجب على ذكر مستحب للأنثى.
- قال ابن قدامة في ((المغنى)) (1/85): فأما الختان فواجب على الرجال، ومكرمة في حق النساء وليس بواجب عليهن، هذا قول كثير أهل العلم... اهـ.
- وقال النووي في ((المجموع)) (1/301): والمذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور أنه واجب على الرجال والنساء... اهـ.
صاحب الكتاب يقول: أما ختان الذكر، فالظاهر أنه واجب لما يأتي:
1. لأنه ملة إبراهيم -عليه السلام-: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة)) [أخرجه البخاري (6298)، ومسلم (370)].
وقد قال الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: {ثمَّ أوحينا إليك أن اتَّبعْ مِلَّةّ إبراهيمَ حنيفاً} [النحل:123].
2. ما روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل أسلم: ((ألق عنك شعر الكفر واختتن)) [أخرجه أبو داود (356)، والبيهقي (1/172) وفي سنده مجهولان وانقطاع، لكن حسنه الألباني بشواهده التي عزاها إلى صحيح أبي داود (383)، في ((الإرواء)) (79) ولم أقف عليها، وقد ضعفه النووي والشوكاني].
3. أن الختان من شعائر المسلمين وميزة لهم عن اليهود والنصارى، فكان واجباً كسائر الشعائر.
4. أنه قطع شيء من البدن -وهو حرام- والحرام لا يستباح إلا بواجب.
وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، وشدد فيه مالك حتى قال: من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته، ونقل كثير من الفقهاء عن مالك أنه سنة، لكن السنة عنده تركها إثم. [((تحفة المودود)) (ص: 113)].
أما الأنثى:
فإنه يشرع ختانها، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)) [أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة (611) وهو في الصحيحين بلفظ ((ومس الختان الختان فقد وجب الغسل))].
والختانان: هما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية، ففيه بيان أن البنات كُنَّ يختتنَّ.
وقد ورد في إيجاب الختان على الأنثى أحاديث لا يخلو أحدها من مقال، منها حديث أم عطية: أن امرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تنهكي، فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل)) [ضعيف: أخرجه أبو داود (5271) وضعَّفه].
وفي رواية: ((إذا خفضت فأشمِّي ولا تنهكي، فإنه أنضر للوجه، وأحظى عند الزوج)) [منكر: أخرجه الخطيب في ((التاريخ)) (5/327)، وانظر ((جامع أحكام النساء)) (1/19)].
وهذه أحاديث ضعيفة الأسناد، وإن كان صححها العلامة الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (722).
وإذا كان كذلك، فلقائل أن يقول: الختان واجب على النساء -وإن كانت هذه الأحاديث ضعيفة- كالرجال لأن الأصل تساويهما في الأحكام إلا ما دلَّ الدليل على التفريق، ولا دليل.
ولآخر أن يقول: بل هو مستحب ومكرمة للنساء وليس بواجب، ووجه التفريق* بين الرجال والنساء، أن الختان في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة، لأنه إذا بقيت هذه الجلدة، فإن البول يبقى ويتجمع بها.
*هذا الوجه أفاده العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- كما في ((الممتع)) (1/134).
أما في حق المرأة فغاية فائدته: أنه يقلل من شهوتها، وهذا طلب كمال وليس من باب إزالة الأذى.
صاحب الكتاب يقول: فختان الإناث دائر بين الاستحباب والوجوب، وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الختان سنة للرجال مكرمة للنساء)) [ضعيف: أخرجه أحمد (5/75)].
لكنه ضعيف ولو صح لكان حاسماً للنزاع، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين.
مصدر: 1. صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، لأبي مالك كمال بن سيد سالم، الجزء الأول، مكتبة التوفيقية.
2. الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز، لدكتور عبدالعظيم بدوي، الطبعة الثالثة 1431هـ - 2010م، دار ابن رجب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق