الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

الأذان أفضل من الإمامة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

الأذان:
الأذان لغة: الإعلام، قال تعالى: {وأذن في الناس بالحج..} [الحج:27]
وشرعاً: التعبد لله تعالى للإعلام بدخول وقت الصلاة بذكر مخصوص.
ومن فضائل الأذان؛ عن ابي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قُضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قُضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل ل يدري كم صلى)) [أخرجه البخاري: 608، ومسلم: 389].
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال لابن أبي صعصعة: إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه ((لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)) قال أبو سعيد سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. [أخرجه البخاري:609، والنسائي:2/12].
وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شَظيَّة بجبل يؤذن بالصلاة، ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة)) [أخرجه أبو داود:1203، والنسائي:2/20، وأحمد:4/158].
وعن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)) [أخرجه مسلم:387، وابن ماجة:725، وأحمد:4/95].
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوههما ولو حبوا)) [أخرجه البخاري:615، ومسلم:437].
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، فأرشد الله الأئمة، وغفر للمؤذنين)) [أخرجه أبو داود:517، والترمذي:207، وأحمد:284-419/ 2، وانظر (الإرواء):1/231].

فإذاً الأذان أفضل من الإمامة للأحاديث المتقدمة في فضل الأذان، ولأن ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن)) والأمانة أعلى من الضمان، والمغفرة أعلى من الإرشاد، وإنما لم يتولَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا خلفاؤه الراشدين التأذين، لأن الإمامة كانت متعيِّنة عليهم، فإنها وظيفة الإمام الأعظم، ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان، لضيق وقتهم عنه، وانشغالهم بما هو أهم كتدبير شئون المسلمين، فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم، وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل.
وهذا مذهب الشافعي وأصح الروايتين عن أحمد واختاره أكثر أصحابه والمالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- [((المغني)):1/402، و((المجموع)):3/74، و((مواهب الجليل)):1/42، و((الاختيارات)): ص36].

بدء مشروعية الأذان:
شرع الأذان بالمدينة في سنة الأولى من الهجرة، على الأصح، للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، ومن ذلك حديث ابن عمر -رضي الله عنهم-: 
كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادي لها، فتكلموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى وقال بعضهم بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال ابن عمر: أو لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا بلال قم فناد بالصلاة)) [أخرجه البخاري:604، ومسلم:377].

صفات المؤذن:
يستحب أن يتصف المؤذن بما يلي:
1. أن يبتغي بأذانه وجه الله: فلا يأخذ أجرة على أذانه وإقامته، لأنَّ الاستئجار على الطاعة لا يجوز، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لعثمان بن أبي العاص: ((..واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) [أخرجه أبو داود:531، والنسائي:672، والترمذي:209، وابن ماجة:714].
فإن لم يوجد متطوع، رَزَق الإمام (جعل راتباً) من بيت المال من يقوم به، لحاجة لمسلمين إليه.
2. أن يكون عدلاً أميناً: لأن ((المؤذن مؤتمن)) أي: أمين على مواقيت الصلاة.
3. أن يكون صيِّتاً (حسن الصوت): لقوله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن زيد: ((..فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك..)) [أخرجه أبو داود:499، والترمذي:189، وابن ماجة:706، وانظر ((الإرواء)):2/264].
4. أن يكون عالماً بالوقت: ليتمكن من الأذان في أوله، ويؤمن خطره، ويجوز لمن لا يعلم الوقت بنفسه -كالأعمى- أن يؤذن إذا كان معه من يخبره به، فقد ((كان ابن أم مكتوم -وهو أعمى- لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت)) [أخرجه البخاري:617، ومسلم:1092].

صفة الأذان:
وردت ألفاظ الأذان عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ثلاث كيفيات، وهذه أحد منهم:
أن الأذان خمس عشرة جملة (تربيع التكبير، وتثنية بقية الألفاظ، ما عدا كلمة التوحيد الأخيرة فإنها منفردة): وهذه الكيفية ثابتة في حديث عبدالله بن زيد -رضي الله عنه- قال: 
((لما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة أطاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يديه فقلت له: يا عبدالله أتبع الناقوس فقال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به للصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال: تقول: 
الله أكبر ألله أكبر  
الله أكبر ألله أكبر
اشهد أن لا إله إلا الله    
اشهد أن لا إله إلا الله  
أشهد أن محمداً رسول الله
أشهد أن محمداً رسول الله  
حي على الصلاة 
حي على الصلاة
حي على الفلاح  
حي على الفلاح
الله أكبر الله أكبر
لا إله إلا الله.
ثم استأخر غير بعيد، قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة:
الله أكبر ألله أكبر
اشهد أن لا إله إلا الله 
أشهد أن محمداً رسول الله 
حي على الصلاة 
حي على الفلاح
قد قامت الصلاة 
قد قامت الصلاة 
الله أكبر الله أكبر
لا إله إلا الله.
فلما أصبحت أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته بما رأيت، فقال: إن هذا رؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فاليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك. فقمت مع بلال فجعلت ألقنه عنه ويؤذن به، قال: فسمع بذلك عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل الذي أُرى، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلله الحمد)) [أخرجه أبو داود:499، والترمذي:189، وابن ماجة:706، وانظر ((الإرواء)):2/264].

التثويب في أذان الفجر:
التثويب هو أن يقول المؤذن (الصلاة خير من النوم) مرتين بعد الحيعلتين -أي: حي على الصلاة، حي على الفلاح- في أذان الفجر، وهو سنة عند الجمهور. [((مواهب الجليل)):1/431، و((المجموع)):3/92، و((المغني)):1/407، و((سبل السلام)):1/250].

 والحمد لله أولاً وآخراً، 
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


مصدر: صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، لأبي مالك كمال بن سيد سالم، الجزء الأول، المكتبة التوفيقية.

ليست هناك تعليقات: